التخطي إلى المحتوى

 

“إنّ القصيدةَ رميةُ نردٍ
على رقعةٍ من ظلام
تشعّ، وقد لا تشعُّ
فيهوي الكلام
كريشٍ على الرمل”

– محمود درويش.

 

الصدفة

يبدو أنّ العالم ما بعد النيتشويّ عالم متعدّد الاحتمالات؛ لأنّه يفتقد اليقين الّذي ترتكز عليه الأحداث، فهو عالم مفتوح على الصدف الّتي لا تتجاوز الاحتماليّة حتّى حين تبدو مسيّرة، فالمساعي البشريّة ما هي إلّا جزء من طريق رسمته الصدفة للإنسان. وقد عبّر ستيفان مالارميه Stéphane Mallarmé‏ عن هذه العبثيّة، الّتي تجعل حياة الإنسان حالة طارئة، تحتمل صيرورات لامتناهية في قصيدته «رمية النرد لن تُبطل الصدفة أبدًا»[1]، الّتي تقدّم صورة قبطان سفينة محطّمة، يقف على حافة جحيم المحيط وفي يده حجر نرد. لم تعتمد القصيدة على السرديّة، بل عرضت للقارئ القصيدة مثل صور متشذّرة على طريقة القصيدة الحسّيّة (Concrete Poetry)، الّتي ترتكز على نظريّة «ما بعد البنيويّة»، يكوّن فيها الفراغ – أي المسافات بين الكلمات – معنًى لا يقلّ أهمّيّة عن الرموز اللغويّة، وهذه الفوضى الخلّاقة، الّتي يقدّمها لنا مالارميه، ما هي إلّا انعكاس لما يعيشه الشاعر من تخبّط لخلق معانٍ مرتبطة بالوعي البشريّ، ليصبح الشاعر ممثّلًا لمشاعر الناس وأفكارهم.

الصدفة هي الّتي قد تجعل قصيدةً ما تظهر إلى حيّز الوجود؛ فيصبح شاعرها ممثّلًا لقضيّته أو معاناته. لكن كيف في وسع الشعر أن يكون دوّامة تبتلع ما في خَلَد الشاعر، وتقذفه مرّة واحدة، ليعكس مشاعر متشابكة ومشتركة بين الناس؟

إذن، الصدفة هي الّتي قد تجعل قصيدةً ما تظهر إلى حيّز الوجود؛ فيصبح شاعرها ممثّلًا لقضيّته أو معاناته. لكن كيف في وسع الشعر أن يكون دوّامة تبتلع ما في خَلَد الشاعر، وتقذفه مرّة واحدة، ليعكس مشاعر متشابكة ومشتركة بين الناس؟ على القصيدة هنا أن تكون، كما وصفها إزرا باوند Ezra Pound، معادلة بين اللغة والمشاعر، أي أنّها تربط ما يبدو أنّه ثابت أو موضوعيّ كاللغة، بما هو متغيّر كالعاطفة أو المزاج؛ وهذا يعني أنّ القصيدة قد تضيء في لحظة ما وعي القرّاء إذا لامست عاطفتهم وفكرهم، أو أنّها قد لا تعني شيئًا على الإطلاق. وقد عبّر محمود درويش عن تلك الفكرة ببراعة في قصيدته «لاعب النرد»، من ديوانه الأخير «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي». يقول درويش:

إنّ القصيدةَ رميةُ نردٍ

على رقعةٍ من ظلام

تشعّ، وقد لا تشعّ

فيهوي الكلام

كريشٍ على الرملِ/

 

وهذا يدلّ على استحالة أن يعبّر الشاعر عمّا في خَلَده، وينقله كما هو، ليشعر به القارئ تمامًا كما أراد الشاعر له.  ويبدو تأثّر درويش بمالارميه جليًّا حين أعاد تأطير فكرة الصدفة في حياة الإنسان عمومًا، وفي حياة الشاعر خصوصًا؛ فيقول بما معناه إنّه أصبح شاعر القضيّة الفلسطينيّة صدفة، لا تقليلًا من شأن مهارته، بل تتبّعًا لبعض المصادفات الّتي سمحت له أن يبقى على قيد الحياة ليتحمّل مسؤوليّة تمثيل تلك التجربة المعقّدة، فكان من الممكن مثلًا أن يكون درويش كغيره من الفلسطينيّين ضحيّة عدوان إسرائيليّ في طفولته، فيعبّر عن ذلك بقوله:

نجوتُ مصادفةً: كنتُ أصغر من هدفٍ عسكريّ

وأكبر من نحلةٍ تتنقّل بين زهور السياج

 

الإلهام

يستهلّ درويش قصيدته باستفهام مفاجئ: “مَنْ أنا لأقول لكم/ ما أقول لكم؟”، ويسرد علينا المصادفات الّتي أسهمت في تشكيل حياته حتّى من قبل أن يولد  [2]Ab ovo ولغاية أيّامه الأخيرة قبل وفاته، ليجعلنا نستذكر بداية رواية «تريسترام شاندي» الشهيرة للكاتب لورنس ستيرن Laurence Sterne، الّتي يبدؤها الراوي ساخرًا بالحديث عن لحظة تلقيح البويضة الّتي خُلِق منها، ويستمرّ السرد باستخدام تقنيّة تيّار الوعي، الّتي تعكس عمل العقل البشريّ الّذي لا يفكّر بطريقة متسلسلة ومترابطة. وهذه التقنيّة السرديّة انعكاس لفوضى الواقع الحداثيّ، وعبثيّة دور الفرد بشكل عامّ، والكاتب بشكل خاصّ، للتعبير عن مكنونات نفسه، فهو كما صوّره مالارميه قبطان تحطّمت سفينته في قاع اليمّ. ومع ذلك تبقى الفرصة موجودة في أن تنشر القصيدة فضاءها على رقعة الواقع القاتمة، فيبرز معنًى من فوضى حطام السفينة. ففي قول درويش: “لا دور لي في القصيدة إلّا/ إذا انقطع الوحي/ والوحي حظّ المهارة إذ تجتهدْ/”، يعيدنا الشاعر إلى الرؤية الأفلاطونيّة للشعر على أنّه مجرّد إلهام إلهيّ لا علاقة مباشرة له بالشاعر، فيبدو معنى السطر للوهلة الأولى أنّ الشعر مجرّد وحي لا مهارة فرديّة؛ فما الشاعر إلّا رسول يوصل القصيدة.

وبما أنّ قصيدة «لاعب النرد» تدور حول فكرة الصدفة وأثرها في تغيير حياة الإنسان، فإنّ الصورة الأفلاطونيّة مناسبة هنا، فكأنّ أفلاطون يقول إنّ الآلهة تختار ممثّليها من البشر عشوائيًّا، إلّا أنّ درويش تعامل مع الصورة بمهارته الشعريّة لمصلحة النصّ…

وبما أنّ قصيدة «لاعب النرد» تدور حول فكرة الصدفة وأثرها في تغيير حياة الإنسان، فإنّ الصورة الأفلاطونيّة مناسبة هنا، فكأنّ أفلاطون يقول إنّ الآلهة تختار ممثّليها من البشر عشوائيًّا، إلّا أنّ درويش تعامل مع الصورة بمهارته الشعريّة لمصلحة النصّ، لا كما أرادها أفلاطون تمامًا؛ فالعالم ما بعد الحداثيّ بعيد عن تصوّر الآلهة مركزًا للكون والمعرفة، لكنّه كذلك لا ينصّب الشاعر إلهًا جديدًا؛ لذا نجد في قصيدتَي مالارميه ودرويش تأكيد عدم قدرة الشاعر على تمثيل تجربته كما هي؛ وهذا ما يلقي الضوء على أهمّيّة النصّ، ولا سيّما بعد «موت المؤلّف» حسب وصف رولان بارت Roland Barthes.

ولا ننكر أنّ غياب مركزيّة الشاعر في عصر الحداثة جعل تعريف الشعر معقّدًا، فلم يَعُد تعريف ويليام وردزورث William Wordsworth للشعر بأنّه “تدفُّق لفيض من المشاعر العفويّة الّتي تُسْتَجْمَع في لحظات من السكينة” كافيًا؛ لذا أعاد تي إس إليوت T. S. Eliot تعريف الشعر بأنّه “ليس إطلاقًا للمشاعر، لكنّه هروب منها”، لكن كما أكّد إليوت، نحن لا نستطيع الهروب من المشاعر إن لم نمتلكها أصلًا. ويرى إزرا باوند أنّ الصورة (وهي القصيدة بالنسبة إلى باوند) مفادها أنّها “تركيبة عاطفيّة – ذهنيّة معقّدة، تُنْتَج في لحظة من الزمن”. ونرى هنا كيف جمع تعريف باوند بين التعريفين السابقين؛ فكلاهما ركّز على العاطفة والحضور الذهنيّ[3]، إلّا أنّ باوند قد أكّد وجودهما معًا وفي آن واحد، وقد دفع هذا العبء الثقيل على عاتق الشاعر باوند إلى الانتقال من الحركة التصويريّة (Imagisme)، الّتي يقدّم فيها الشاعر القصيدة كلوحة، إلى الدوّامة (Vorticism) الّتي تعتني بالحركة والطاقة إلى جانب الصورة. 

 

الدوّامة

يمكننا أن نقرأ قصيدة درويش «لاعب النرد» من خلال حركة الدوّامة؛ إذ تقدّم القصيدة صورًا متلاصقة (Juxtaposed Images) تجمع لحظات متشذّرة (Fragmented) من سيرته الذاتيّة، وقد أعانت تلك الصور درويش على تمثيل مأساته، ومأساة الفلسطينيّ الّذي جعلته الصدفة ينجو من حوادث كثيرة، كان فيها وجهًا لوجه أمام فوّهة بندقيّة الجنديّ المحتلّ، ويجمع درويش هذه الصور ضمن إطار أو ألبوم صور واحد يربطها معًا؛ فكلّها يندرج تحت ثيمة المصادفة.

ويبرع درويش في رصد القفزات المتلاحقة في قصيدته، وكأنّها الدوّامة عند باوند، وخاصّة عند استخدام الفعل المضارع الّذي يوحي بروح الاستمراريّة، والقفز على الصعاب، وإخضاع اللحظة الحاضرة إلى فعل، يتكوّن في الزمن الحاضر الّذي يدلّ على المستقبل…

ويبرع درويش في رصد القفزات المتلاحقة في قصيدته، وكأنّها الدوّامة عند باوند، وخاصّة عند استخدام الفعل المضارع الّذي يوحي بروح الاستمراريّة، والقفز على الصعاب، وإخضاع اللحظة الحاضرة إلى فعل، يتكوّن في الزمن الحاضر الّذي يدلّ على المستقبل، ويقولب درويش هذه الديناميكيّة ضمن مأساة الفلسطينيّ، الّذي تُشكِّل حياته طاقة مستمرّة للبحث عن الأمل والتشبّث بالحياة:

أمشي/ أهرولُ/ أركضُ/ أصعدُ/ أنزلُ/ أصرخُ/ أنبحُ/ أعوي/ أنادي/ أولولُ/ أُسرعُ/ أُبطئُ/ أهوي/ أخفُّ/ أجفُّ/ أسيرُ/ أطيرُ/ أرى/ لا أرى/ أتعثّرُ/ أصفرُّ/ أخضرُّ/ أزرقُّ/ أنشقُّ/ أجهشُ/ أعطشُ/ أتعبُ/ أسغَبُ/ أسقطُ/ أنهضُ/ أركضُ/ أنسى/ أرى/ لا أرى/ أتذكّرُ/ أسمعُ/ أبصرُ/ أهذي/ أُهَلْوِسُ/ أهمسُ/ أصرخُ/ لا أستطيع/ أئنُّ/ أُجَنُّ/ أضلُّ/ أقِلُّ/ وأكثُرُ/ أسقطُ/ أعلو/ وأهبطُ/ أُدْمَى/ ويُغمى عليّ.

لن يكتمل النصّ إذن، كذلك لن يستطيع الشاعر أن يمثّل كلّ ما يجول في خَلَدِه، من صور عاطفيّة وذهنيّة معقّدة، وهذا ما يوحي به عنوان ديوان درويش الأخير «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي»، فيبقى دور الشاعر مفتوحًا للصدف المتلاطمة وللاحتمالات المتعدّدة اللاحقة، ومنها أن يكمل شاعر آخر القصيدة، فكما يقول درويش في «لاعب النرد»: “تلك القصيدة ليس لها شاعرٌ واحدٌ”؛ أي أنّ النصّ الفلسطينيّ في حالة صيرورة، وقد يخلق شاعرًا يحمله ويأخذ عبء القصيدة ليمثّل قضيّة الفلسطينيّ بشكل آخر، حسبما تأخذه الصدفة؛ فالنصّ لا الشاعر بيت القصيد هنا. والاستنتاج بأنّ القصيدة تستطيع أن تخلِق شاعرًا لأنّها تفتح القضيّة للاحتمالات، مبنيّ على ما أسماه كونتين مياسو Quentin Meillassoux[4] «عدم الوجود المقدّس» (L’Inexistence divine)، الّذي يعني إيماننا بما هو غير موجود؛ لأنّ الصدف قد تقود إلى خلقه، فعدم وجود معنًى ما الآن لا يعني أنّه لن يكون في وقت لاحق، وكذلك النصّ؛ وهنا تبرز ثيمة محبّبة لدى درويش، هي الغائب الحاضر، والمعروف أنّ درويش يرى أنّه من واجبنا خلق أمل ما – حتّى لو كان مصطنعًا – بدلًا من قبول كابوس الواقع، وذلك محاولة لإنتاج احتمالات لا نعلم كيف “ستخيّب ظنّ العدم” يومًا ما.  

………

إحالات:

[1] (Un coup de dés jamais n’abolira le hazard (1897.

[2]  مصطلح لاتينيّ يعني «من البيضة»؛ أي من البداية، وهي إشارة ميثولوجيّة إلى البيضة الّتي خُلقت منها هيلين، الّتي تسبّبت بحرب طروادة. ويعني المصطلح أدبيًّا سرد الأحداث منذ البداية، وهو عكس مصطلح «medias res»، الّذي يدلّ على البدء من منتصف الأحداث. 

[3]  ربّما يغفل الكثيرون عن إدراك أنّ تعريف وردزورث لا يهمل الجانب الذهنيّ، فيتّهمه البعض بالمبالغة في التركيز على العاطفة، لكنّ الشقّ الثاني من التعريف “أن يستجمع الشاعر مشاعره في لحظات من السكينة”، يؤكّد دور الفكر في كتابة القصيدة.

[4]  ناقد فرنسيّ اشتهر بنقده لقصيدة مالارميه «رمية النرد».

 

 

د. سميّة الحاجّ

 

 

أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزيّ في جامعة بيرزيت، حصلت على درجة الدكتوراه من الجامعة الأردنيّة عام 2016، وقد تخصّصت في الأدب الكاريبيّ ودراسات ما بعد الاستعمار. لها العديد من الأبحاث في النقد والنظريّة الأدبيّة.

 

 

المصدر | وكالات

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *