التخطي إلى المحتوى

رفاه عنبتاوي:

  • مسؤولية المجتمع في منع القتل لا تقل عن مسؤولية الشرطة وجهاز القضاء
  • قضية النساء لا تزال غائبة عن أجندة المتابعة والمشتركة والأحزاب
  • مجتمع ضعيف لن يستطيع إلزام شرطة ودولة إسرائيل على التعامل معه باحترام

وفاء عباهرة، التي قتلت مطلع الأسبوع طعنا في الشارع العام في عرابة، هي المرأة الـ 15 من الداخل الفلسطيني التي تقتل منذ مطلع العام الجاري، فقد سبقتها شادية أبو سريحان (35 عاما) من بير المشاش في النقب وهي أم لثلاث بنات أصغرهنّ 10 أشهر وأكبرهنّ 9 أعوام، ونسرين جبارة (36 عامًا) من الطيبة وهي أم لخمسة أطفال، قُتلت وهي في طريقها للعمل بعد تعرضها عدّة عيارات نارية في الرأس، وزمزم محاميد ( 19 عامًا) من أم الفحم التي تمنع الشرطة نشر تفاصيل جريمة قتلها حتى الآن، وتمام جبالي ( 84 عامًا) من الطيبة التي قتلت عند مدخل بيتها، في حي كرم الجبالي، حيث أصابتها رصاصتان في القسم العلوي من الجسم ولم يدن أحد بجريمة قتلها حتى الآن.

وتضم قائمة الضحايا، كذلك، ميرفت الدسوقي (٤٨ عامًا) من اللد التي عثر عليها داخل منزلها في حي “المحطّة” وهي فاقدة للوعي، ولم يكشف إلى الآن عن نوع جريمة القتل بينما اعتقلت الشرطة مشتبهين اثنين، ونيفين العمراني (21عامًا ) من حورة – النقب التي روت شاهدة عيان أنّ شقيقها أقدم على إسقاطها أرضا والاعتداء عليها بواسطة سكين وقدّمت لائحة اتهام بحقّ 3 من أفراد أسرتها ولم يُدَن أي منهم حتى الان.

وتتسع القائمة أيضا، لتشمل لروان القريناوي (29 عامًا) من رهط والتي توفيّت متأثرة بجراحها إثر “ضربة قويّة في رأسها”، حسب الشرطة، وسبق وأن نسبت شبهات لزوجها بالاعتداء عليها، وكانت حاملا في الشهر السابع وتركت خلفها ثلاثة أطفال، ووفاء مصاروة (40 عامًا) من الطيبة التي اعترف زوجها بقتلها أمام طفلتهما البالغة من العمر 4 سنوات، وحنين العبيد (27 عاما) من رهط التي قتلت مساء يوم 10 أيلول/ سبتمبر 2020 في جريمة إطلاق نار بحيّ السدرة في المدينة، وكانت تقطن وطفلتها التي تبلغ الثالثة من عمرها في رهط، بعد أن انفصلت عن زوجها.

ضحايا العنف ضد النساء هذا العام

وتطول القائمة لتشمل أيضا نورة كعبيّة (53 عامًا) من عرب الهيب والتي أقدم زوجها وفقا للائحة الاتهام، في يوم 20 آب/أغسطس على إلقاء حجر رحى بوزن 16 كغم على رأسها خلال نومها ما أسفر عن وفاتها متأثرة بجراحها الخطيرة، وشريفة أبو معمّر (30 عامًا) من الرملة وهي مربيّة قتلت أثناء تجهيزها الصف للدراسة، وقدّمت لائحة اتهام ضدّ شابين، وأميّة تيتي (60 عامًا) من البعنة والتي جرى اقتحام منزلها في البعنة وإطلاق النار عليها وعلى زوجها، وفتحت الشرطة ملفا للتحقيق في ملابسات الجريمتين، دون الإبلاغ عن الخلفية أو اعتقال أي مشتبه بالضلوع فيهما.

وإنْ كانت معدلات جرائم قتل النساء تزداد باضطراد مع تفاقم العنف والجريمة في مجتمعنا عموما، فإنّ خصوصيتها تصرخ إلى السماء لما تنطوي عليه من استقواء على المرأة واستضعاف لها، ولما تتذرع به من أغطية بالية لتسويغ الفعل الإجرامي وإكسابه شرعية مجتمعية، وهو ما يتطلب مواجهة دائمة لحماية المرأة وتعزيزها ونزع الذرائع التي تحاول تبريرها، وذلك إلى جانب ملاحقة أجهزة تطبيق القانون التي تتسامح مع الجريمة عموما عندنا ووضعها أمام مسؤولياتها.

حول هذا الموضوع وتلك المواجهة، الجريمة والعقاب أو الإفلات من العقاب إن صحَّ التعبير، كان هذا الحوار مع مديرة جمعية “كيان – تنظيم نسوي”، رفاه عنبتاوي:

عرب ٤٨: في كل مرة تهزّنا جريمة قتل بشعة كالتي حدثت مطلع الأسبوع، يُفتح ملف قتل النساء من جديد ويتجلى بوضوح تهاون القضاء وتقصير الشرطة، كما تبين من حيثيات الجريمة الأخيرة..

عنبتاوي
عنبتاوي

عنبتاوي: بعد كل جريمة من هذا النوع يتأكد أنّ إجراء الإبعاد الذي تتبعه الشرطة ويصادق عليه القضاء، هو إجراء شكلي لأنه لا يترافق مع خضوع المبعد لإجراءات تعقّب من قبل الشرطة، وبالتالي يكون حرًّا طليقًا في تصيّد طريدته وترهيبها وحتى قتلها. هذا يحدث بسبب تساهل القضاة مع الرجال العنيفين من خلال الاستعجال في تحريرهم وإصدار إحكام غير كافية بحقهم في وقت يجب أن يكونوا رهن الاعتقال.

من جهة ثانية، مهما كانت مدّة الحكم على العنف طويلة، فإنّ المتهم سيتحرر في النهاية وغالبا ما تكون لدية الرغبة في الانتقام. لذلك، فإنّ عدم وجود منظومة علاجية في السجن للرجال العنيفين هي إشكالية بحد ذاتها، فلا يكفي أن تنهي محكوميتك بل يجب أن تمرّ بعلاج في فترة السجن وهو أمر غير متوفّر اليوم.

عرب ٤٨: بدا في الآونة الأخيرة وكأن جرائم قتل النساء تذوب في داخل الجريمة العامة المنظمة وغير المنظمة التي تضرب مجتمعنا، خاصة وأنّ تربة الظروف الاقتصادية الاجتماعية التي تنمو فيها واحدة؟

عنبتاوي: هناك مستوى جندري بسبب الاختلاف في الجنس، هناك علاقات قوّة وسيطرة وهناك عنف تجاه النساء بالعالم، بغضّ النظر لأي دين أو قومية أو لغة تنتمي هذه النساء، لكن لكل ثقافة وأخرى ومجتمع وآخر هناك الخصوصية وما يميزه في هذا الموضوع.

نحن كمجتمع عربي ما زلنا إلى اليوم متخلّفين عن مجتمعات أخرى، أُحدث تقدّم في موضوع العلاقة بين الرجل والمرأة، في موضوع التربية، في موضوع الذكوري، وفي موضوع فرض السيطرة من قبل الرجال على النساء، حتى قبل أن يخلقوا.

كل موضوع التفرقة في التربية وأنّ “الولد أحسن من البنت”، ما زال موجودًا في مجتمعنا وهذه التفرقة تشرعن وترسّخ مفاهيم الذكورية والعنف التي تكبر تدريجيا مع الإنسان، وتساهم في خلق وضع يقضي بأنه إذا لم تنصع النساء لأزواجهن أو الأخوات لإخوتهن فمسموح أن يعاقبوهن ويقتلوهن وهناك شرعية وتفهّم لهذا الفعل من المجتمع.

مجتمعنا ما زال يربي على أسلوب ونمط حياة يؤدي إلى العنف، هذه السيطرة – التي تمنح الرجل الحق في أنّ يقررَ – تؤدي إلى نتيجة مفادها عندما لا يستطيع أن يقرر كيفية عيش المرأة والتحكم بها، فسيفرض سيطرته أو يواصل ضربها كل حياتها، أو يصل إلى وضع يسلبها فيه حياتها.

عرب ٤٨: هناك الفجوة القائمة بين ثقافتنا وموروثنا التاريخي وبين الواقع والإطار القانوني والسياسي الذي نعيش فيه داخل إسرائيل…

عنبتاوي: عندما نتحدث عن واقعنا كنساء عربيات في إسرائيل يجب أنْ نأخذ السياق الاجتماعي كوننا من مجتمع ذكوري بالإضافة إلى السياق السياسي. بطبيعة الحال الدولة تنتهج بشكل واضح سياسات أبعد من أن تكون متخاذلة ومتساهلة، إنّما سياسات ممنهجة لإضعاف المجتمع العربي والحيلولة دون تحسينه بالقدر الكافي ليصبح مجتمعا صحيا وقويا، لأن هذا يهدد الكثير من المسلمات بالنسبة لدولة إسرائيل تجاه العرب.

هذا ينسحب على المجتمع العربي بأسره أيضا، حيث لا تستثمر الدولة ولا توّفر الجهود اللازمة لوقف الجريمة. وإن كانت لا تعير اهتماما للمجتمع كله، فهي لن تعير الانتباه لنسائه، ورغم أنّ دولة إسرائيل تدّعي أنّها تطبّق قوانين المساواة وتستثمر في النساء العربيات وتعمل على تحسين وضع المرأة العربية، لكن في الحقيقة وبالفعل، فإنّ هذا الاستثمار سطحي جدا ومادي أكثر مما هو نوعي، وفي كثير من الأحيان تبقى الميزانيات على الورق ولا تخرج إلى حيّز التنفيذ عندما يتعلق الموضوع ببرامج علاج العنف والتمييز ضد المرأة.

الأصعب من ذلك أنّه عندما نأتي إلى الجهاز القضائي، المحاكم، جهاز الشرطة، يبدو واضحا أنّ هناك تعاملًا غير مبال ومستهترا بحجة “خصوصيّة للمجتمع العربي”، ولذلك يتعاملون مع الرجل العربي بطريقة مختلفة عن نظيره اليهودي، ولأن الأهل يتوجّهون للصلحة والعشائرية وغيرها من الإجراءات التقليدية التي تجعل المرأة تسكت وتتقبّل واقعًا لم ترد أن تتقبله، فلا ثقة عند النساء بالشرطة الإسرائيلية وبالتالي “تضيع الطاسة”.

عرب ٤٨: ما قصدته الفجوة أو عدم التطابق بين مستوى التطور الثقافي الاجتماعي وبين الواقع والإطار القانوني..

عنبتاوي: الاثنان متخلفان. لا يوجد واقع اجتماعي سياسي يحمي المرأة ويحدّ من العنف تجاهها في تجاهلها في مجال تطوير المفاهيم والأفكار والانماط الاجتماعية، وأيضا على مستوى الدولة القانوني، والتعاون في سياسات تطبيق القوانين والتعامل مع المجرمين.

وقفة احتجاجية ضد قتل النساء في عرابة
وقفة احتجاجية ضد قتل النساء في عرابة

ورغم أنّ القانون في إسرائيل منصِف للمرأة في المساواة ومنع العنف، إلا أنّ هناك فجوة كبيرة بين القانون الموجود وبين تطبيقه، كما أنّنا – كمجتمع – لا نريد أن نأخذ مسؤولية ونغيّر في هذا المجال تحديدًا، رغم أنّنا نهوى التغيير في مجالات أخرى أقلّ أهمية أحيانا، لكن عندما يتعلق الموضوع بالعنف ضد النساء، لا نريد أن نبذل جهدا لأجل أن نتطوّر ونغيّر ونحترم حقوق الإنسان ونتعامل مع المرأة كإنسان.

عرب ٤٨: في كثير من الأحيان يستعمل الموروث الثقافي كذرائع، بينما الأسباب الحقيقية هي اجتماعية اقتصادية..

عنبتاوي: لا أوافقك الرأي، صحيح أنّ الأوضاع الاقتصادية تزيد العنف الأسري والعنف الزوجي والعنف ضد النساء، ولكنّها ليست سببا للعنف، فالسبب هو عقليتنا المتخلفة التي تسمح للرجل أن يتحكم بالمرأة. وهذه العقليّة تسمح لأي أحد أن يفرض سيطرته على من لديه رأي مختلف ولا يريد أن يعيش بالطريقة التي يريدها.

المرأة التي قُتلت في عرابة مطلّقة وكانت تريد أن تعيش حياةً بسيطةً بهدوء وأمن وأن يعيش أولادها معها، هذا شيء أساسي لم يتوفر لها، تم قتلها لأن لديها حضانة على أولادها، وهو – قبل أن يصلا إلى هذا الوضع – كان عنيفا تجاهها ولهذا السبب وصلا أصلا إلى ما وصلا إليه، لأن العنف موجود منذ البداية.

يقولون إنّ الشكوى تزيد العنف، بدلا أن يقولوا ذلك، ليقتلعوا العنف الذي دفع المرأة إلى أن تشتكي من أساسه، هذه نقطة مهمة جدًّا، فهناك محاولة اليوم لتعليق كل شيء على شماعة الوضع الاقتصادي.

عرب ٤٨: ولكن واقع أنّ العائلات التي تعاني من العنف الأسري هي في معظمها من وضع اجتماعي اقتصادي صعب..

عنبتاوي: يمكن أن ذلك صحيحًا بالنسبة للحالات التي تصل حدّ القتل، لكن تلك النسوة كن معنفات ومعرضات للقتل كل الوقت وقُتِلن، ولكن هناك الكثير من النساء معرضات للقتل ومعنفات في بيوتهنّ، وهن لسن من وضع اجتماعي اقتصادي صعب، بل من الطبقات الغنية لكن طريقة التعامل هناك ربما هي التي تختلف فقط.

هذا موضوع يستحق البحث لأنّ هناك نساء من الطبقة الغنية معنّفات عنفًا جسدّيًا، ومع ذلك فإنّ غالبية النساء اللاتي يقتلن من الطبقة الفقيرة مع أنّ العنف موجود في الطبقتين، وهل هذا مرتبط بالتفاوت في نسبة العنف بين الطبقات المختلفة.

في خط الدعم الذي تشغّله الجمعية هناك توجهات من أكاديميات متعلّمات يعملن في مهن مرموقة: طبيبات، مهندسات، ومحاميات؛ ولكنّ الكثير منهن لا يصل إلى حد الشكوى. ويبدو أنّ تعامل النساء في هذا المستوى المعيشي يختلف عن نساء من مستوى معيشي أقلّ، لكن مرة أخرى من التوجهات التي وصلتنا لا أستطيع أن أخرج باستنتاجات وأحكام، الموضوع بحاجة لدراسة.

عرب ٤٨: أنا لا أحاول أن أبرّئ الموروث، بقدر ما أحاول إدانة الوضع الاقتصادي الاجتماعي؟

عنبتاوي: الموضوع مركّب بعض الشيء، أنا أرجع الموضوع للمجتمع، أنماط التفكير، العلاقة بين الرجل والمرأة في مجتمعنا العربي. من الممكن أنْ تختلف أشكال العنف ووتائره من مجموعة لأخرى ومن طبقة لأخرى، ولكن مما لا شك فيه أنّ العنف موجود في كل الفئات والطبقات الاجتماعية.

والسؤال المطروح أمامنا هو كيفية مواجهته، فعلينا كمجتمع أن نأخذ مسؤوليةً لأجل مواجهة الشرطة ومواجهة إخفاقات الدولة ومواجهة التمييز العنصري، لقد حان الوقت لنتعامل مع أنفسنا بشكل جدي ونحترم أنفسنا.

ومفهوم أنّه عندما لا تضع القيادة ممثلة بالمتابعة النساء في أولوياتها ولا تضع القائمة المشتركة النساء في أولوياتها لا نستطيع الادعاء أنّنا نريد لمجتمعنا أن يتغيّر ويتعامل بقوة مع النظام الاستعماري القائم، وطالما نحن مجتمع ضعيف لا نستطيع إجبار الشرطة ودولة إسرائيل أن تتعامل معنا باحترام.


رفاه عنبتاوي: المديرة العامة لجمعية “كيان – تنظيم نسوي”، وهي ناشطة نسوية وخبيرة في مجال حقوق الإنسان وحقوق المرأة. حاصلة على اللقب الأول في العمل الاجتماعي وعلى اللقب الثاني في الإدارة والعمل الجماهيري.

المصدر | وكالات

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *